تخيل أن تذهب للاستعلام عن خطوط المحمول المسجلة باسمك، فتكتشف أنك أصبحت مالكًا لأرقام لم ترها في حياتك، ولم تضعها يومًا داخل هاتفك، ولم توقع على أي أوراق لاستخراجها.
ثم تأتي الصدمة الأكبر عندما تعلم أن أحد هذه الخطوط يعمل منذ سنوات طويلة، وربما يتحرك بين أيدي أشخاص لا تعرفهم، بينما اسمك هو الموجود في سجلات شركات الاتصالات.
المشهد لم يعد مجرد استغراب من رقم إضافي ظهر بالخطأ، بل أصبح كابوسًا حقيقيًا يعيشه عدد كبير من المواطنين الذين وجدوا أنفسهم فجأة في قلب أزمة لا علاقة لهم بها، مواطن يستيقظ ليكتشف أن هناك خطًا يحمل اسمه، وأن أي مكالمة أو رسالة أو استخدام يتم من خلاله قد يرتبط به قانونيًا باعتباره صاحب الرقم المسجل.
السؤال الذي يفجر الأزمة: كيف يمكن لخط محمول أن يستمر سنوات باسم شخص لا يستخدمه؟ وكيف يتم تفعيل رقم على بيانات مواطن دون أن يعلم؟ وأين تذهب إجراءات تحديث البيانات والمراجعة الدورية؟
فحتى لو فقد المواطن هاتفه أو ضاعت منه شريحة المحمول، هناك إجراءات معروفة لإيقاف الخط أو استبدال الشريحة أو تحديث بياناتها، لكن أن يظهر خط كامل لم يملكه الشخص من الأساس، فهذه هي النقطة الأخطر التي تحتاج إلى إجابات واضحة.
الأزمة لا تتعلق فقط بالخطوط التي ظهرت بأسماء مواطنين دون علمهم، بل بما يمكن أن يحدث خلف هذه الخطوط. ففي زمن أصبحت فيه أرقام الهواتف مرتبطة بكل شيء تقريبًا، من تطبيقات التواصل والحسابات الإلكترونية إلى خدمات مالية ورسائل التحقق، فإن امتلاك شخص مجهول لخط مسجل باسم مواطن آخر قد يتحول إلى باب واسع للمخاطر.
قد يستخدم أحدهم هذا الرقم في إنشاء حسابات وهمية، أو التواصل مع ضحايا في عمليات نصب إلكتروني، أو إرسال رسائل تهديد أو ابتزاز، أو القيام بأي نشاط مخالف، وعندما تبدأ عملية البحث عن صاحب الرقم تظهر بيانات المواطن الذي لا يعرف حتى أن هناك شريحة تحمل اسمه.
هنا تتحول الأزمة من مجرد خطأ إداري إلى معضلة قانونية حقيقية، فالمواطن الذي لم يرتكب شيئًا يجد نفسه مضطرًا لإثبات أنه ليس صاحب الاستخدام الفعلي للخط، وأن البيانات الموجودة في السجلات لا تعكس الحقيقة.
والأكثر إثارة للقلق أن بعض هذه الحالات لا تتحدث عن خطوط ظهرت منذ أيام أو أسابيع، بل عن أرقام استمرت لسنوات، سنوات كاملة تمر فيها عمليات اتصال واستخدام وتجديد، بينما صاحب البيانات الحقيقي خارج الصورة تمامًا.
وهنا يظهر السؤال الأصعب: إذا كانت منظومة تسجيل الخطوط تعتمد على التحقق من الهوية، فكيف وصلت هذه الأرقام إلى أصحاب بيانات غير حقيقيين؟ ومن المسؤول عن اكتشاف الخطأ وتصحيحه قبل أن يتحول إلى أزمة؟
المواطن ليس مطلوبًا منه أن يكون مراقبًا دائمًا لبياناته ليكتشف أن هناك من يستخدم اسمه.
الأصل أن تكون هناك منظومة تمنع حدوث المشكلة من البداية، وأن يكون تسجيل أي خط مرتبطًا بتحقق حقيقي من صاحب البيانات، لا بمجرد وجود رقم قومي في قاعدة معلومات.
القضية تمس ثقة المواطن في منظومة الاتصالات بأكملها، لأن الرقم المحمول لم يعد مجرد وسيلة لإجراء المكالمات، بل أصبح جزءًا من الهوية الرقمية للشخص، وعندما يخرج رقم من السيطرة الحقيقية لصاحبه، فإن الخطر لا يقع على الشريحة فقط، بل على الاسم المرتبط بها.
الأزمة تحتاج إلى كشف شامل: كم عدد الخطوط التي تم اكتشافها بأسماء غير مستخدميها؟ كيف يتم مراجعة هذه الخطوط؟ وما الإجراءات التي تضمن عدم تكرار الأمر؟ وهل تتم محاسبة من تسبب في تسجيل بيانات مواطنين على خطوط لا تخصهم؟
فالمشكلة ليست أن مواطنًا اكتشف رقمًا غريبًا في سجله، بل أن هناك مواطنين وجدوا أنفسهم فجأة أمام مسؤولية أرقام لم يحملوها، واستخدامات لم يقوموا بها، وأزمة لم يكونوا طرفًا فيها.
وفي النهاية يبقى السؤال الذي ينتظر إجابة: إذا كان المواطن لا يعرف كم خطًا يحمل اسمه.. فمن يضمن ألا يدفع ثمن خط لا يملكه؟